فخر الدين الرازي
145
المطالب العالية من العلم الإلهي
مغايرة للنسبة إلى الشيء الآخر ، فيثبت : أن العلم بالعلم بالشيء مغاير للعلم بذلك الشيء ، وأيضا : لو كان العلم بالشيء نفس العلم بالشيء ، لكان العالم بالشيء عالما بتلك المراتب التي لا نهاية لها على التفصيل ، ومعلوم أنه باطل ، وأيضا : فإنه يمكننا أن نعتقد كون الرجل الفلاني عالما بالعلم « 1 » الفلاني ، مع أنا نشك في كونه عالما بذلك العلم ، وأيضا فإنا ندرك تفرقة بديهية بين قولنا : إن زيدا عالم بالسواد ، وبين قولنا : إنه عالم بكونه عالما بالسواد ، ولو كان أحد العلمين نفس الثاني ، لما بقيت هذه التفرقة ، فهذا تمام الكلام في توجيه هذا النقض . وثانيها : وهو النقض بالنسب ، فإن كل مقدار فإنه يقبل التنصيف ، ثم إذا نصّف كل واحد من نصفيه فإنه يقبل التربيع ، ولما كان المقدار قابلا للتنصيف إلى غير النهاية ، فحينئذ حصلت هناك نسب غير متناهية ، وكل مرتبة آخرة فإنها متفرعة على النسب الحاصلة قبلها ، فهذا تمام الكلام في تقرير هذه النقوض . السؤال الثاني : على البرهان الذي ذكرتم : أن نقول قولكم تلك الجملة المركبة غير تلك الأسباب والمسببات التي لا نهاية لها ، إما أن تكون واجبة ، أو ممكنة ، إنما يصح ويظهر إذا صح وصف تلك الأسباب والمسببات التي لا نهاية لها ، بكونها جملة ومجموعا ، فلم قلتم إن ذلك صحيح ؟ وتقريره : وهو أن وصف الشيء بكونه جملة ومجموعا مشعر بامتياز ذلك المجموع عن غيره ، وامتيازه عن غيره مشروط بكونه متناهيا ، فثبت أنه لا يمكن وصفه بكونه مجموعا وجملة [ إلا بعد أن ثبت كونه متناهيا ، وأنتم أثبتم كونه متناهيا على وصفه بكونه كلا وجملة ] « 2 » وحينئذ يلزم الدور . السؤال الثالث : هب أنه يصح وصفها بكونها كلا وجملة ومجموعا ، فلم قلتم إنه يجب انتهاؤها إلى واجب الوجود لذاته ، أما قوله : « إن ذلك المجموع
--> ( 1 ) المعلوم ( ز ) . ( 2 ) من ( ز ) .